ريال بيتيس يوقظ مدريد من حلم الكمال... تروي باروت يمنح موريينيو أول درس في الواقعية
إشبيلية – بقلم د. طلال عثمان
لم يكن ريال مدريد بحاجة إلى من يذكّره بأن كرة القدم لا ترحم الغرور المبكر، لكن ريال بيتيس تكفّل بتقديم هذا الدرس شخصيًا، مساء الجمعة، على أرضية "لا كارتوخا"، حين أنهى بهدف نظيف مسيرة الانتصارات الكاملة التي كان "الملكي" يبني عليها خطاب التفوق منذ انطلاقة الموسم. هدف وحيد سجّله المهاجم الإيرلندي الشاب تروي باروت في الدقيقة 81، بعد اثنتي عشرة دقيقة فقط من دخوله بديلاً عن كوتشو هرنانديز، ليقلب معادلة مباراة بدت لوهلة طويلة محسومة لصالح الضيوف على الورق، ومحسومة على أرض الملعب لصالح صلابة أندلسية رفضت أن تنكسر.
المفارقة أن هذا الظهور لم يكن سوى الثالث لباروت مع القميص الأخضر والأبيض، وهو القادم على سبيل الإعارة من آلكمار الهولندي بصفقة قاربت عشرين مليون يورو، ليكتب بذلك واحدة من أسرع قصص التألق في بداية موسم إسباني حافل بالمفاجآت. المفارقة الأكثر دلالة أن المواجهة نفسها، حين جمعت الفريقين في يناير الماضي، شهدت اجتياحًا مدريديًا كاسحًا بخمسة أهداف مقابل هدف واحد، ليصبح هذا الانتصار البيتيسي أشبه برد اعتبار متأخر، ورسالة بأن كرة القدم لا تكرر نفسها كما تشتهي الحسابات.
على الصعيد التكتيكي، لم يفتقر ريال مدريد بقيادة جوزيه موريينيو إلى الحلول الهجومية بقدر ما افتقر إلى الفعالية أمام منظومة دفاعية متراصة، أحكم مانويل بيليجريني ترتيبها بذكاء رجل يعرف حدود إمكاناته. فينيسيوس جونيور اصطدم بالقائم في الدقيقة الخامسة عشرة، وكيليان مبابي حُرم من التسجيل مرتين متتاليتين قبيل نهاية الشوط الأول، فيما وجد أنطوني، من الجهة المقابلة، من يصده في مرمى الديكي كورتوا مبكرًا. مباراة اختزلت ببساطة معادلة قديمة في كرة القدم: من يملك الكرة لا يملك بالضرورة النتيجة.
الأخطر بالنسبة لموريينيو أن هذه الهزيمة تأتي في توقيت حساس من عهدته الثانية والمثيرة للجدل على مقاعد البدلاء الملكية، بعد موسم مضطرب شهد إقالة تشابي ألونسو مطلع العام وفترة انتقالية قصيرة قبل أن يُعاد "السبيشال وان" إلى سانتياغو برنابيو بعقد ثلاثي السنوات. تسعة نقاط من ثلاث مباريات كانت كافية لرسم صورة فريق يسير بثقة نحو اللقب، لكن سقوطه أمام فريق منهك أصلًا بخسارة قاسية 5-2 أمام ليفانتي في الجولة السابقة يعيد فتح الأسئلة القديمة نفسها: هل يملك مدريد الحالي عمقًا دفاعيًا كافيًا حين تُغلق الخطوط أمامه؟ وهل يكفي التفوق الفردي لنجوم الهجوم لتعويض غياب خطة "ب" واضحة؟
في المقابل، يستحق بيليجريني وتلاميذه الإشادة على رد الفعل النفسي السريع بعد إحراج ليفانتي، إذ قدّم بيتيس نسخة أقرب إلى الفريق الذي يعرف كيف يدير مبارياته الكبرى حتى في غياب الكرة، معتمدًا على الصبر التكتيكي والضربة القاتلة في الوقت المناسب، رغم إصابة يورينتي في الأنف التي أخرجته مبكرًا من المواجهة.
النتيجة تدفع بيتيس إلى المركز السابع مانحة إياه أوكسجينًا نفسيًا مطلوبًا، بينما تُنزل ريال مدريد من عرشه المؤقت خلف برشلونة المتصدر، لتذكّره بأن سباق الليغا لا يُقاس بانطلاقة مثالية، بل بالقدرة على الصمود حين تتحول أرضية الخصم إلى فخ محكم. ثلاث نقاط ضائعة في سبتمبر قد تبدو تفصيلاً عابرًا، لكنها في تاريخ موريينيو مع الأندية الكبرى كانت غالبًا الشرارة الأولى لأزمات أعمق.
د. طلال عثمان، المدير العام — GCC Sport